﴿ أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴾
تدبّر الآي (1)
﴿ أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴾ [البقرة - ٤٤]
عن رسول الله ﷺ قوله: يجاءُ بالرجلِ يوم القيامَةِ فيُلقى في النارِ، فتَنذلِقُ أقتابه، فيدور بها في النارِ، كما يدور الحمار برحاهُ، فيُطِيفُ بهِ أهل النارِ، فيقولون: يا فلان! ما أصابك؟ ألم تكن تأمرُنا بالمعروفِ وتنهانا عن المنكَرِ؟ فيقول: بلى، قد كنتُ آمرُكُم بالمعروفِ ولَا آتيهِ، وأنهاكُم عن المنكَرِ وآتيهِ.
- صحيح البخاري، 3267.
أتأمرون الناس بالخير والإيمان، وتتركون أنفسكم عن أمرها بذلك وأنتم تتلون الكتاب! أفلا تعقلون؟
وسُمِّي العقل عقلًا؛ لأنه يعقل به ما ينفعه من الخير، وينعقل به عما يضره، وذلك أن العقل يحث صاحبه أن يكون أول فاعل لما يأمر به، وأول تارك لما ينهى عنه، فمن أمر غيره بالخير ولم يفعله أو نهاه عن الشر فلم يتركه؛ دل على عدم عقله وجهله، خصوصًا إذا كان عالمًا بذلك، قد قامت عليه الحجة.
وهذه الآية وإن كانت نزلت في سبب بني إسرائيل، فهي عامة لكل أحد.
وليس في الآية أن الإنسان إذا لم يقم بما أُمِر به أنه يترك الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر؛ لأنها دلت على التوبيخ بالنسبة إلى الواجبَين. وإلا فمن المعلوم أن على الإنسان واجبين: أمر غيره ونهيه، وأمر نفسه ونهيها، فترك أحدهما لا يكون رخصة في ترك الآخر.
وأيضًا فإن النفوس مجبولة على عدم الانقياد لمن يخالف قولَه فعلُه، فاقتداؤهم بالأفعال أبلغ من اقتدائهم بالأقوال المجردة.
- تفسير السعدي.
والعقلُ مأخوذٌ من عقالِ الدابةِ، وهو ما يُشدُّ به ركبةُ البعيرِ فيمنعهُ من الشرودِ، فكذلك العقلُ يمنعُ صاحبَهُ من الكفرِ والجحودِ.
- تفسير البغوي.
قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويلِ في معنى "البِرِّ" الذي كان المخاطَبون بهذه الآيةِ يَأْمُرون الناسَ به، بعد إجماعِ جميعِهم على أن كلَّ طاعةٍ للهِ
فهي تسمّى بِرًّا.
- تفسير الطبري.
قال سعيد بن جبير: لو كان المرء لا يأمرُ بالمعروفِ ولا ينهَى عن المنكرِ حتّى لا يكون فيه شيءٌ؛ ما أمرَ أحدٌ بمعروفٍ ولا نهَى عن منكرٍ.
وقال أبو الأسود الدؤلي:
لا تَنهَ عن خُلُقٍ وتأتي مثلَهُ
عارٌ عليك إذا فعلت عظيم
- تفسير ابن كثير.
فَيا من كرّمه الله بعقلٍ يعرف به الصواب من الخطأ، والصحيح من السقيم، لا يكن قولك سابقًا لفعلك، ولا يكن نهيُك لغيرك حجةً عليك؛ فإن في ذلك ظلمًا للنفس. وهذا لا ينفي وجوبَ إنكار المنكرِ على كل حال.
وقد قيل:
إذا لم يعِظْ الناسَ من هو مذنبٌ
فمن يعِظُ العاصين بعد محمدٍ


جميل! جزاكم الله خيرًا وبارك فيكم