فوائد غضّ البصر!
أورد ابن القيم عدّة فوائد لغضّ البصر في كتابه المشهور: الداء والدواء، اقتبستها في المقال:
في غضّ البصر عدّة منافع:
أحدها: أنّه امتثال لأمر الله الذي هو غاية سعادة العبد في معاشه ومعاده، فليس للعبد في دنياه وآخرته أنفع من امتثال أوامر ربّه تبارك وتعالى. وما سَعِدَ من سَعِدَ في الدنيا والآخرة إلا بامتثال أوامره، وما شقي من شقي في الدنيا والآخرة إلا بتضييع أوامره.
الثانية: أنه يمتنع من وصول أثر السهم المسموم (العشق) الذي لعلّ فيه هلاكه إلى قلبه.
الثالثة: أنّه يورث القلب أنسًا بالله وجمعيةً على الله، فإنّ إطلاق البصر يفرّق القلب، ويشتّته ويُبعده من الله. وليس على العبد شيء أضرّ من إطلاق البصر، فإنّه يوقع الوحشة بين العبد وبين ربه.
الرابعة: أنه يقوّي القلب ويفرحه، كما أنّ إطلاق البصر يضعفه ويحزنه.
الخامسة: أنه يُكسب القلب نورًا، كما أنّ إطلاقه يكسبه ظلمةً.
ولهذا ذكر سبحانه آية النور عقيب الأمر بغضّ البصر فقال: ﴿ قُل لِّلۡمُؤۡمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنۡ أَبۡصَٰرِهِمۡ وَيَحۡفَظُواْ فُرُوجَهُمۡۚ ﴾ ثم قال إثر ذلك: ﴿ ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ مَثَلُ نُورِهِۦ كَمِشۡكَوٰةٖ فِيهَا مِصۡبَاحٌۖ ﴾ أي: مثل نوره في قلب عبده المؤمن الذي امتثل أوامره واجتنب نواهيه.
وإذا استنار القلب أقبلت وفود الخيرات إليه من كلّ ناحية، كما أنه إذا أظلم أقبلت سحائب البلاء والشرّ عليه من كل مكان. فما شئت من بدع وضلالة، واتباع هوى واجتناب هدى، وإعراض عن أسباب السعادة، واشتغال بأسباب الشقاوة! فإنّ ذلك إنّما يكشفه له النور الذي في القلب، فإذا فُقِد ذلك النور بقي صاحبه كالأعمى الذي يجوس في حنادس الظلمات.
السادسة: أنّه يُورثه فراسةً صادقةً يميّز بها بين المحِقّ والمبطل، والصادق والكاذب.
وكان شجاع الكرماني يقول: من عمر ظاهرَه باتباع السنة، وباطنَه بدوام المراقبة؛ وغضّ بصرَه عن المحارم، وكفّ نفسه عن الشهوات، واغتذى بالحلال = لم تخطىء فراسته. وكان شجاع هذا لا تخطىء له فراسة.
والله سبحانه يجزي العبد على عمله بما هو من جنس عمله، ومن ترك لله شيئًا عوّضه الله خيرًا منه، فإذا غضّ بصره عن محارم الله عوّضه الله بأن يُطلِق نورَ بصيرته عوضًا عن حبسِه بصرَه لله، ويفتحَ عليه باب العلم والإيمان والمعرفة والفراسة الصادقة المصيبة التي إنّما تُنال ببصيرة القلب.
وضدّ هذا ما وصف الله به اللوطية من العمَه الذي هو ضدّ البصيرة، فقال تعالى : ﴿ لَعَمۡرُكَ إِنَّهُمۡ لَفِي سَكۡرَتِهِمۡ يَعۡمَهُونَ ﴾، فوصفهم بالسكرة التي هي فساد العقل، والعَمَه الذي هو فساد البصيرة.
فالتعلّق بالصور يوجب فساد العقل، وعَمَه البصيرة، وسُكْر القلب، كما قال القائل ( للخليع الشامي ):
سُكْرانِ سُكرُ هوًى وسُكرُ مُدامةٍ
ومتى إفاقةُ مَن به سُكرانِ؟
وقال الآخر ( لقيس بن الملوح ):
قالوا جُنِنتَ بمن تهوى فقلتُ لهم
العشقُ أعظم ممّا بالمجانينِ
العشق لا يستفيق الدهرَ صاحبُه
وإنّما يُصرَع المجنونُ في الحين
السابعة: أنّه يورث القلب ثباتًا وشجاعةً وقوةً، فيجمع الله له بين سلطان البصيرة والحجة وسلطان القدرة والقوة، كما في الأثر: الذي يخالف هواه يفرَق الشيطان من ظلّه.
وضدّ هذا تجد في المتّبع لهواه من ذلّ النفس ووضاعتها ومهانتها وخِسّتها وحقارتها ما جعله الله سبحانه فيمن عصاه، كما قال الحسن: إنّهم وإن طقطقت بهم البغال، وهَمْلَجَتْ بهم البراذين، إنّ ذُلّ المعصية في رقابهم. أبى الله إلا أن يُذِلّ من عصاه.
وقد جعل الله سبحانه العزّ قرين طاعته، والذلّ قرين معصيته، فقال تعالى: ﴿ وَلِلَّهِ ٱلۡعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِۦ وَلِلۡمُؤۡمِنِينَ ﴾ وقال: ﴿ وَلَا تَهِنُواْ وَلَا تَحۡزَنُواْ وَأَنتُمُ ٱلۡأَعۡلَوۡنَ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ﴾. والإيمان قول وعمل، ظاهر وباطن.
وقال تعالى: ﴿ مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلۡعِزَّةَ فَلِلَّهِ ٱلۡعِزَّةُ جَمِيعًاۚ إِلَيۡهِ يَصۡعَدُ ٱلۡكَلِمُ ٱلطَّيِّبُ وَٱلۡعَمَلُ ٱلصَّٰلِحُ يَرۡفَعُهُۥۚ ﴾ أي: من كان يريد العزة فليطلبها بطاعة الله وذكرِه من الكلم الطيب والعمل الصالح.
وفي دعاء القنوت: "إنّه لا يذِلّ من واليتَ، ولا يعِزّ من عاديتَ". ومن أطاع الله فقد والاه فيما أطاعه فيه ة، وله من العزّ بحسب طاعته. ومن عصاه فقد عاداه فيما عصاه فيه، وله من الذلّ بحسب معصيته.
الثامنة: أنه يسدّ على الشيطان مدخله إلى القلب، فإنّه يدخل مع النظرة، وينفذ معها إلى القلب أسرع من نفوذ الهواء في المكان الخالي، فيمثّل له حسنَ صورة المنظور إليه، ويزيّنها، ويجعلها صنمًا يعكف عليه القلب. ثم يَعِدُه، ويمنّيه، ويوقد على القلب نار الشهوة، ويلقي عليه حطب المعاصي التي لم يكن يتوصّل إليها بدون تلك الصورة، فيصير القلب في اللهيب. فمن ذلك اللهيب تلك الأنفاسُ التي يجد فيها وهج النار، وتلك الزفَراتُ والحُرُقاتُ. فإنّ القلب قد أحاطت به النيران من كلّ جانب، فهو في وسطها كالشاة في وسط التنّور.
ولهذا كانت عقوبة أصحاب الشهوات للصور المحرّمة أن جُعِل لهم في البرزخ تنّورٌ من نار، وأودعت أرواحهم فيه إلى يوم حشر أجسادهم، كما أراه الله تعالى لنبيّه ﷺ في المنام في الحديث المتفق على صحته.
التاسعة: أنّه يُفرغ القلب للفكرة في مصالحه والاشتغال بها، وإطلاقُ البصر يشتّته عن ذلك، ويحول بينه وبينه، فينفرط عليه أموره، ويقع في اتّباع هواه وفي الغفلة عن ذكر ربه. قال تعالى: ﴿ وَلَا تُطِعۡ مَنۡ أَغۡفَلۡنَا قَلۡبَهُۥ عَن ذِكۡرِنَا وَٱتَّبَعَ هَوَىٰهُ وَكَانَ أَمۡرُهُۥ فُرُطٗا ﴾ وإطلاق النظر يوجب هذه الأمور الثلاثة بحسبه.
العاشرة: أنّ بين العين والقلب منفذًا وطريقًا يوجب انفعال أحدهما عن الآخر، وأن يصلح بصلاحه ويفسد بفساده. فإذا فسد القلب فسد النظر، وإذا فسد النظر فسد القلب. وكذلك في جانب الصلاح، فإذا خربت العين وفسدت خرب القلب وفسد، وصار كالمزبلة التي هي محلّ النجاسات والقاذورات والأوساخ، فلا يصلح لسكنى معرفة الله ومحبته والإنابة إليه والأنس به والسرور بقربه فيه، وإنّما يسكن فيه أضداد ذلك.
فهذه إشارة إلى بعض فوائد غضّ البصر تُطْلِعك على ما وراءها.
الداء والدواء، لشيخ الإسلام ابن القيم.

